الغزالي
215
إحياء علوم الدين
يموت سريعا ، فتقول : إن شاء الله ، فيفهم منه رغبتك لا تشككك . وإذا قيل لك : فلان سيزول مرضه ويصح ، فتقول : إن شاء الله ، بمعنى الرغبة ، فقد صارت الكلمة معدولة عن معنى التشكيك إلى معنى الرغبة ، وكذلك العدول إلى معنى التأدب لذكر الله تعالى كيف كان الأمر الوجه الثالث مستنده الشك ومعناه : أنا مؤمن حقا إن شاء الله ، إذ قال الله تعالى لقوم مخصوصين بأعيانهم : * ( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) * « 1 » فانقسموا إلى قسمين ، ويرجع هذا إلى الشك في كمال الإيمان لا في أصله ، وكل إنسان شاك في كمال إيمانه ، وذلك ليس بكفر ، والشك في كمال الإيمان حق من وجهين : أحدهما من حيث إن النفاق يزيل كمال الايمان وهو خفى لا تتحقق البراءة منه والثاني أنه يكمل بأعمال الطاعات ولا يدرى وجودها على الكمال . أما العمل فقد قال الله تعالى : * ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله ورَسُولِه ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ الله أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) * « 2 » فيكون الشك في هذا الصدق . وكذلك قال الله تعالى : * ( ولكِنَّ الْبِرَّ من آمَنَ بِالله والْيَوْمِ الآخِرِ والْمَلائِكَةِ والْكِتابِ والنَّبِيِّينَ ) * « 3 » فشرط عشرين وصفا : كالوفاء بالعهد ، والصبر على الشدائد ، ثم قال تعالى : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) * « 4 » وقد قال تعالى : * ( يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ) * « 5 » . وقال تعالى : * ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ من أَنْفَقَ من قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتَلَ ) * الآية « 6 » . وقد قال تعالى : * ( هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ الله ) وقال صلَّى الله عليه وسلم : [ 1 ] « الإيمان عريان ولباسه التّقوى » الحديث . وقال صلَّى الله عليه وسلم : « الإيمان بضع وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطَّريق » . فهذا ما يدل على ارتباط كمال الإيمان بالأعمال
--> « 1 » الأنفال الآية 4 . « 2 » الحجرات الآية 15 « 3 » البقرة : 177 « 4 » المجادلة : 11 « 5 » الحديد : 10 « 6 » آل عمران : 361